الأربعاء، 13 يناير 2016

من ربط عقله وقلبه برضوان الله عز وجل لا يضيره بعد الشقة ولا تضعفه المشقة

من ربط عقله وقلبه برضوان الله عز وجل لا يضيره بعد الشقة ولا تضعفه المشقة
  انه ومن فضل الله علينا أن بصرنا بالإسلام فكرة وطريقة, عقيدة واحكاما , فوعينا أحامه , وحدد لنا قضاياه و أهدافه , وجعل قضيته هي الظهور على الدين كله , وجعل الدولة الاسلامية هي الركيزة في ذلك , فكانت تاج الفروض بها تستأنف الحياة الاسلامية ويحمل الاسلام رسالة للعالم , فكانت هدفا عظيما وغاية كبرى , الا ان الاسلام قد ربط كل ذلك بغاية غاياته وهي نوال رضوان الله , فوعدنا بجنانه واعظم من ذلك رضوانه , {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)} التوبة وان هذا المثل الاعلى تعلو لأجله  الهمة وتهون به المهمة بل واكبر مهمة ولا سيما اننا في مهمة عظيمة قد طالت- بحسب تقديراتنا-  مسيرتها وقد احاط بنا اعداؤنا من كل حدب وصوب وان ما يندى له الجبين استعمالهم لمن هم من ابناء جلدتنا وباسم ديننا لحربنا وحق للشاعر ان يقول :
                             وظلم ذوي القربى أشد مضاضة  .....على النفس من وقع الحسام المهند
    انه رغم ذلك فإننا لا نستعين الا بالله القوي العزيز ... كيف لا وهوالركن الشديد الذي لا نأوي الا اليه , فهو عز وجل الذي قد خلقنا ليمحصنا , وليصنع منا نجباء يجتبيهم لمهمة اعزاز دينة , واقامته صافيا نقيا بحكم راشد  يرضى به عنا, يقول عز وجل : ( وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)) ال عمران. فمن ادرك وايقن بان الله يمتحنه بطول الطريق او قلة الزاد او كثرة الاعداء فانه يوقن بان الله قد احبه فيبتهل اليه أن يثبته وان يعز على يديه دينه , وعليه فالصفقة مع الله عز وجل ثابة رابحة جنة ورضوانا نسأله ان نكون جميعا على ثباتها ونرجوه ثمرة ذلك جنة ورضوانا ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) سورة ابراهيم
  وان مما يثبت القلوب ويريح النفوس هو أن سعادة المسلم قد ربطت ربطا وثيقا برضوان الله عز وجل وهو المثل الاعلى , ولم ترتبط السعادة ولم تكن قاصرة على التمكين في الارض , ولا بالعزة والمنعة . فمن رضي الله عنه لا يبالي بأهوال الدنيا ومصائبها , ولا بكثرة اعدائه وأدواته , ما دام على الحق يبتغي رضون الله الحق .
                            ولست أبالي حين أقتل مسلما **** على أي جنب كان في الله مصرعي
     وقد قد مدح الله الصادقين معه المستبشرين ببيعهم مع الله بقوله عز وجل : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) وقد أظهرهم في كافة احوالهم من مات منهم ومن بقي , وكان الصدق مع الله وما يحقق رضوانه ثابت لا يتغير رغم تغير احوالهم. ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) فوصفهم بالصدق كافي , ولكن الثبات عليه اكد في الدلالة ,  فهو اكد في المعنى وزيادة في الثناء فقال : ( وما بدلوا تبديلا ) وهذا ما يشير لحال الشدة التي يكونون عليها , ورصيد البذل في الثبات على ما يعتريهم من نصب ووصب .
ان حامل الدعوة بشر , تحدثه نفسه عن ذات الشوكة و متى تكون لنا ؟, وعن العزة متى تغمرنا ؟, وعن الام الرؤوم المرضعة الخلافة متى تحتضننا؟ ومتى نرى نورها ؟ ولو نظرنا في ظلال توجيه القران نجد انه عرض لنا الواقع بما يكتنفه من مكر الكافرين , وعملهم الدؤوب ليطفئوا نور الله , وعلمنا كيف تكون التجارة والصفقة الرابحة معه عزوجل , واللافت للنظر ما اراده في بناء نفوسنا كيف قدم الاخرة على الدنيا , وجناته ورضوانه على ما نحبه من نصر وفتح قريب , فانظروا قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) الصف . لذلك يستوي في المقام من اخلص واستقام وعقد الصفقة مع ربه , سواء من سبق عليه الاجل قبل النصر والفتح القريب , وبين من يحضره , يستون ان احسنوا واتقوا واخلصوا في المغفرة والجنات والانهار والرضوان الاكبر من الله عز وجل , ثم أتى في ترتيب الآيات على النصر والعزة والمنعة ...فليس ما تتوق له النفوس ونرنو له القلوب والابصار من عزة ومنعة ونصر , بمقدم عما عند الله , وهو الاصل وهو الدافع وهو محل الامل ومشغلة العقل ومشعل القب .. وان من الناس ممن سابقوا وقدموا وكان لهم فضل وسبق قد يحضرون ذات الشوكة , وينعمون بالعزة والمنعة , ويعيشون ردحا من الزمن في ظل الدولة , الا انه قد يسبق عليهم الكتاب فيفتتن بعضهم بزخرف الحياة الدنيا وزينتها – والعياذ بالله- فما نفعه ما قدم .. لذلك يبقى محل التفكير والقلق والدفع والحراة , هو ما عند الله فهو خير وابقى وللنفس انقى واتقى , واما ما في الدنيا فهو في المرتبة الثانية ( واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب).
   ان مسيرة العمل لعزة الاسلام وعودة حكمه في الارض , قد شكلت شهادة طويلة , لرجالها الاتقياء الانقياء, الاوفياء لدينهم ,الصادقين مع ربهم .. وان السعادة عند لقاء الله لا يدانيها اي ربح او تمكين او شوكة , لهذا كان الحظ  والنصرمن الله كان اكد لجميع من غذ السير واسرع الخطا في مسيرة العمل للإسلام, سواء منهم من لم يشهد حظه في ظهورها او من شهد .. وهذا من كرم الله وفضله وعظيم امتنانه علينا مصداقا لقوله عز وجل : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) سورة غافر.  فالنصر العظيم الدائم هو يوم يقوم الاشهاد , واما النصر في الدنيا فعلى عظمه فقد لا يحضره الجميع, لذلك فان ما عند الله هو الاجمع , وعنده الجزاء الاوفى , فيلتقي ليتفيأ ظلاله الاولين والاخرين من الذين انعم الله عليهم  (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) النساء.
    ان الاعمار بأطولها واقصرها , وشهود الخلافة و العزة والتمكين والانتصارات والفتوحات وما يشفى الصدور , طاله عيش المرء ام لم يطله , وطال العيش في ظله ام لم يطل , فان لكل نهاية , ولكن ما يثلج القلب ويريح النفس هو ما عند الله عز وجل من خير وفضل , وان من الانبياء من لم يصل به مسعاه الى تمكين رسالته حال حياته كيونس عليه السلام , وان من الصحابة الكرام من توفي قبل التمكين , وان منهم من حضر اليسير من التمكين, فلو كان الامر قاصرا في الجزاء على التمكين لحزن وقلق المقدمون , ولكن الفضل كله بيد الله عز وجل الذي أعد ما اعد مما هو اسعد وابقى واعظم وهو ما عنده من نصر وحسن ثواب (ورضوان من الله اكبر).
   ان وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اصحابه قد شكل اشعاعا لهم وحرارة  تقوي ايمانهم,  وانه كان لانتقاله للرفيق الاعلى اثر واي اثر, فهو فقد واي فقد , بل هو الفقد . الا انه اخبرهم بما خيره الله وعلمهم وعلمنا كيف يكون الاختيار بما يرضي الله  فقال صلى الله عليه وسلم :" إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ , فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ " . فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , وَقَالَ : فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا . و ان اشعاع القران كان له الاثر كيف يكون الموقف والاندفاع نحو المثل الاعلى وهو نوال رضوان الله   حيث قال ابو بكر- رضي الله عنه – عقب وفاه صلى الله عليه وسلم تصحيحا للمسار وتوجيها للمسلمين : ( من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت وتلا قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144 (ال عمران))
   نعم ان استحضار معية الله , وربط حاجات الدنيا والاخرة بالتوكل عليه , والانابة اليه وربط الاهداف والغايات بنوال رضوانه تجعل نفوسنا راضية بقضائه مطمئنة بنصره وعطائه في الدنيا وخير منها في الاخرة, فالخير كل الخير والنعمة التامة هي في استيقاننا على اننا نسير على طريق ارتضاه الله لنا , تحقق لنا بإخلاصنا الخالص لله وحده رضوانه كمثل أعلى . وان لنا اكبر مثال قريب في احوال دعوتنا , كيف انها انتقلت من شاهق لشاهق ,واتسعت واستغلظ سوقها تغيظ الكفار وتؤرق دهاقنتهم , كل هذا لان ارتباطها هو بنوال رضوان الله تحت أي ظرف , لا يضيرها ما يكتنفها مما يعصف بها . فبعد وفاة المؤسس الشيخ تقي الدين رحمه الله فان من الشباب من قال يومها "ان الدعوة ستنهار بوفاته وان حزبها سينتهي بذهابه ".. الا اننا نرى ان نجاح دعوتنا وبلوغها ما بلغت من خير وفضل وتأثير ماكن ليكون الا لأنها صفقة عقدها المؤسس رحمه الله منذ ولادتها مع الله عز وجل ... وان التاريخ كتب بان كلوب باشا قد عرض عليه زهرة من الدنيا لقاء تركه لهذه الصفقة مع الله واقامة دينه في الارض فما كان منه الا ان عرض عليهم كسرة خبز ويسير طعام كان قد رزقه الله له وقال لرسول كلوب (ان هذا خير لي من كل ما تملكه بريطانيا على ان اترك هذا الامر ...) وظلت هذه الدعوة وهذه الصفقة مع الله وعلى بصيرة مستقيمة الى ما وصلت اليه اليوم تجوب الارض والاعراق واللغات وما بقي لها الا ان تصل الى ما تقر به الاعين وتشفى به الصدور.
ايها الاخوة :
   ان صلاتنا ونسكنا ومحيانا ومماتنا ودعوتنا , وما بذلناه من عرق ودماء وتضحيات وشيب وزهرات شباب , انما كله لوجه لله وابتغاء رضوانه , وان الدين دينه , فهو الحكيم وبحكمته يدبر امر دينه , فالأمر كله لله وبيده , يضعه متى شاء وحيث شاء , ولا راد لقضائه , ونرضى مطمئنين بحكمته وتدبيره , وما علينا الا الجهد حتى الجهد, والبذل كل البذل , نقبل على التكاليف بقلوبنا و عقولنا , فلا نترك من ثغور دعوتنا الا سددناه , ولا عمل تستوجبه التبعات مما ترسمناه والتزمناه , واخذنا عهد الله على ان نؤديه , الا وننكب عليه انكباب المقبلين المستبشرين برضوان ربهم , قبل ان تحدثهم نفوسهم عن متى الفرج ومتى نصر الله , ولعنا بذلك نري الله من انفسنا ما يحب , فيعطينا بفضله اكثر مما نحب , واننا بإذن الله الواحد الاحد , ان كنا على هذا الحال فلا يهولننا ما يحيط بنا , وما يتعبنا طول مسيرة , ولا يفتننا عن دعوتنا أي فاتن ... فالأمر كله لله , واليه يرجع الامر كله .( وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)) هود.

ايها الاخوة
ان منا ومن بيننا من شب في الدعوة حتى شاب , وان منا من ثبت حتى الممات , وان منا من لا يزال ينتظر لا يفت من عضضه اي غرض , ولا اي عرض , وما اقعده حتى شديد الاذى أو المرض , وكل هذا لأننا نعتقد مطمئنين , باننا على خير, ومسعانا الى خير , نغذ السير ونسارع الخطا , ونجد ونجتهد , كل ذلك طاعة وعبادة خالصة لله وحدة , واننا ننتظر الفرج على ان انتظاره ايضا عبادة , ترضي الله عنا , فبلوغ رضوانه هو ضالتنا , وهو مثلنا الاعلى وكل شيء في رضى الله يهون.
واننا نسأل الله أن ينعم علينا برضوانه وعلياء جنانه وأن يتم علينا هذا الامر حتى نشهد شاهق بنيانه خلافة راشدة على منهاج النبوة ترتج لها الافاق انه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء، 23 ديسمبر 2015

موقع الدعوةعند حاملها هو مركز التنبه ومحيط الدئرة وحجر الزاوية

والقضية كلها تتلخص في سؤال واحد محدد : هل جعلنا الدعوة فعلا حجر الزاوية في حياتنا وإهتماماتنا ؟ فإن من جعل الدعوة محور عمله وتفكيره لن تعييه الحيلة للقيام بهذه التبعات ، أما من لم يجعل الدعوة مركز تنبهه وإهتمامه ، فلا شك أن الدنيا سوف لا تتسع له وسيلهي نفسه بأتفه المعاذير ويظل هكذا ديدنه حتى يسقط صريع الدنيا ونعيمها الزائل ، جعلنا الله ممن يحملون أمانته فيؤدونها خير أداء إنه سميع مجيب . آمين .

24/12/2015م

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

حامل الدعوة بشر يسير بنور الله ويبتغي رضوانة

  ان حامل الدعوة بشر , تحدثه نفسه عن ذات الشوكة و متى تكون لنا ؟, وعن العزة متى تغمرنا ؟, وعن الام الرؤوم المرضعة الخلافة متى تحتضننا؟ ومتى نرى نورها ؟ ولو نظرنا في ظلال توجيه القران نجد انه عرض لنا الواقع بما يكتنفه من مكر الكافرين , وعملهم الدؤوب ليطفئوا نور الله , وعلمنا كيف تكون التجارة والصفقة الرابحة معه عزوجل , واللافت للنظر ما اراده في بناء نفوسنا كيف قدم الاخرة على الدنيا , وجناته ورضوانه على ما نحبه من نصر وفتح قريب , فانظروا قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) الصف . لذلك يستوي في المقام من اخلص واستقام وعقد الصفقة مع ربه , سواء من سبق عليه الاجل قبل النصر والفتح القريب , وبين من يحضره , يستون ان احسنوا واتقوا واخلصوا في المغفرة والجنات والانهار والرضوان الاكبر من الله عز وجل , ثم أتى في ترتيب الآيات على النصر والعزة والمنعة ...فليس ما تتوق له النفوس ونرنو له القلوب والابصار من عزة ومنعة ونصر , بمقدم عما عند الله , وهو الاصل وهو الدافع وهو محل الامل ومشغلة العقل ومشعل القب .. وان من الناس ممن سابقوا وقدموا وكان لهم فضل وسبق قد يحضرون ذات الشوكة , وينعمون بالعزة والمنعة , ويعيشون ردحا من الزمن في ظل الدولة , الا انه قد يسبق عليهم الكتاب فيفتتن بعضهم بزخرف الحياة الدنيا وزينتها – والعياذ بالله- فما نفعه ما قدم .. لذلك يبقى محل التفكير والقلق والدفع والحراة , هو ما عند الله فهو خير وابقى وللنفس انقى واتقى , واما ما في الدنيا فهو في المرتبة الثانية ( واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب).

الأحد، 15 مارس 2015

بذ ل المال ابتغاء وجه الله عز وجل لا يقل عن بذل النفس بل هما صنوان لا يفترقان.

بسم الله الرحمن الرحيم
بذ ل المال ابتغاء وجه الله عز وجل لا يقل عن بذل النفس بل هما صنوان لا يفترقان.
الحمد لله القائل في كتابه العزيز :( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)ال عمران  القائل : ) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿121﴾ التوبة ويقول صلى الله عليه وسلم: " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " .
ان بذل المال ابتغاء رضوان الله هو صنو بذل النفس فكما ان النفس تبذل رخيصة ابتغاء رضوان الله فان المال هو كذلك وان الله عز وجل قد قرن بذل المال مع بذل النفس  في صفقة البيع حيث قال جل من قائل : (۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) . وان ذكر المال بعد النفس فيه دلالة عظيمة لما للمال من أثر بالغ في اعزاز الدين ورفعته واعداد العدة وتحضير كل ما يلزم من نفقات لذلك. وانه والله لو كانت هذه الحاجة الضرورية الحتمية للمال في الزمن الماضي مؤكدة فانها في حاضرنا أشد وآكد وان بذل الانفس والاموال معا – عند الامة صاحبة الرسالة - هما كجناحي طائر فان كسر احد جناحيه وقع وان ضعف احد جناحيه انخض حتى يقع. فالمال عصب الحياة للدول والامم والدعوات فلا تقوم دعوة ولا تبتنى دولة ولا تحمل رسالة الا حاجة المال ركن اساسي في كل ذلك . وقد بذل الصحابة  المال ابتغاء رضوان الله وضربوا بذلك اروع الامثلة كما أخبر الصديق حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :ماذا أبقيت لعيالك؟ قال : الله ورسوله . واعترف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر ببذله وإنفاقه في سبيل هذا الدّين، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ) ذكر البخاري رحمه الله في تاريخه من طريق الزهري قال أوصي عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه لكل من شهد بدراً بأربعمئة دينار ، فكانوا مائة رجل.
   وان من فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم، ان شرع لهم من الدين ما يقربهم اليه، ويوصلهم إلى مرضاته، ويكون سبباً في دخولهم الجنة والنجاة من النار، وكان مما شرعه لهم، وامرهم به: ان يفعلوا الخيرات، وينفقوا مما جعلهم مستخلفين فيه، تزكية لنفوسهم، وتطهيرا لاخلاقهم، وتنمية لاموالهم، فقال تعالى: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وقال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } [الحديد: 7] ووعد سبحانه وتعالى فاعلي الخير بتوفية اعمالهم، ومضاعفتها لهم اضعافا كثيرة في وقت هم احوج ما يكونون إلى ذلك، فقال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] وقال تعالى {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]
وقد بين تعالى تلك المضاعفة اتم بيان، واوضحها اكمل ايضاح، وضرب لها مثلاً بما تعيه افهام الناس، وتدركه عقولهم، وتراه اعينهم، فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 261]
وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم بين فضل الانفاق والتصدق في سبيل الله، وثماره وآثاره في عالم الغيب، وفي عالم الشهادة، ومما ورد من ألفضل في ذلك:
1
المضاعفة لصاحبه، فعن ابي هريرة رضي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه أي مهره حتى تكون مثل الجبل» متفق عليه.
2
ان الصدقة تظل العبد يوم القيامة وتحول بينه وبين حر الشمس حينما تدنو من رؤوس الخلائق، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس» رواه أحمد والحاكم وصححه الالباني.
3
ان اجر الصدقة يقع مضاعفاً إلى سبعمائة ضعف يوم القيامة إلى اضعاف كثيرة، فعن ابي مسعود الانصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» أخرجه مسلم.
4
ان الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء، فعن انس رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «ان الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء». أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
5
واخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه الصدقة تطرد الشياطين عن ابن آدم، وتفك عقدهم عنه، فعن بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يخرج احد شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطانا» أخرجه أحمد وابن خزيمة وصححه الحاكم والالباني.
6
والصدقة زكاة وطهرة للمسلم، فبها تزكو نفسه، ويرق قلبه، وتطيب روحه، ويرتفع عن اخلاق اصحاب الشح والبخل والأثرة وغيرها قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } [التوبة: 103] .
7
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الصدقة لا تنقص المال، بل تزده بما يحصل فيه من بركة الانفاق والعطاء، لان كثيراً من المحجمين عن الانفاق والتصدق يظنون ان الصدقة تذهب بالمال وتفنيه، او تنقصه، وهذا بسبب غلبة حب الدنيا على قلوبهم، فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما نقصت صدقة من مال..» الحديث أخرجه مسلم.
وهذا التحريض على الصدقة من قبل الشارع الحكيم ألهب حماس اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلهم يتنافسون في هذا الميدان..وأي ميدان؟!!
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نتصدق ووافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم اسبق أبا بكر، إن سبقته يوماً، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أبقيت لأهلك؟» قلت نصف مالي، قال فجاء أبو بكر بماله كله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أبقيت لأهلك؟» قال أبقيت لهم الله ورسوله!! فقلت: لا أسابقه إلى شيء أبداً» أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وكان عثمان رضي الله عنه من المنفقين اموالهم في سبيل الله، فعن عبدالرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله! على مائة بعير بأحلاسها واقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش، فقام عثمان فقال: يا رسول الله! علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها واقتابها في سبيل الله قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر وهو يقول: « ما على عثمان ما فعل بعد هذه.. ما على عثمان ما فعل بعد هذه»
ايها الاخوة :
   ان  من العجب العجاب هو ان كل المال زائل الا ما تنفقونه ابتغاء رضوان الله فما عندكم ينفد وما عند الله باق  عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : أُهْدِيَ لَنَا شَاةٌ مَشْوِيَّةٌ ، فَقَسَّمْتُهَا كُلَّهَا إِلَّا كَتِفَهَا ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " كُلُّهَا لَكُمْ إِلَّا كَتِفَهَا " ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظٍ : أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟ " قَالَتْ : مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا ، قَالَ : " بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا " ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِهَا إِلَّا كَتِفَهَا .. وانظر الى قوله عزل وجل كيف جعل الانفاق في سبيله ركيزة التجارة معه عز وجل و التي لا تبور(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11
ايها الاخوة :
لنعلم ان الانفاق في الواجبات لهو عند الله احب ومن ذلك الالتزام للدعوة كي تسير امورها على اكمل وجه واحسن حال مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل : (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ...) فان كان حال المتصدقين على تلك العظمة فحال اهل الواجب أعلى قدرا وفي كل خير وفضل ...
ايها الاخوة ممن اتاكم الله من فضله ووسع عليكم في رزقه :
 ان الله منحكم فرصة وآتاكم فضلا حري بكم أن تدركوه فتتداركون امركم وابذلوا بسخاء تدخرونه  لأنفسكم  في يوم تطفؤ فيه صدقاتكم خطاياكم كما تطفؤ الماء النار ..  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَتَى فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ذَهَبَ أَهْلُ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ يُعْتِقُونَ وَلا نَجِدُ مَا نُعْتِقُ ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَجِدُ مَا نَتَصَدَّقُ ، وَيُنْفِقُونَ وَلا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ ، قَالَ : " أَلا آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ أَدْرَكْتُمْ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَفُقْتُمْ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ ؟ " قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : " تُسَبِّحُونَ اللَّهَ ، وَتَحْمَدُونَهُ ، وَتُكَبِّرُونَهُ ، عَلَى إِثْرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ " ، فَلَمَّا صَنَعُوا ذَلِكَ سَمِعَ الأَغْنِيَاءُ بِذَلِكَ ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالُوا ، فَذَهَبَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ مَا قُلْنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " .
أيها الاخوة ممن يبذلون للدعوة رغم عسرهم :
 اعلموا انه رب درهم سبق مئة الف درهم فلا تبتئسوا واعلموا ان الصفقة مع الله الكريم شرف وكرامة وربح  وتجارة لن تبور  : ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  :" سبق درهم مائة ألف درهم قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فقال:"رجل له درهمان أي لا يملك غيرهما فتصدق بأحدهما ورجل تصدق بمائة ألف من عَرْض ماله" ولقد نقل عن شيخنا المجدد العلامة تقي الدين النبهاني رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء ان احد الاخوة قال على مسمعه عن الانفاق العبارة المشهورة ( الجود من الموجود ) فصححه الشيخ قائلا : ( بل الجود من حر الجلود ) ليتضح المقصد من ذلك فلرب معسر يبذل للدعوة التزامها بحرارة ايمانه فلا يتذرع بقلة الموجود او كثرته بل ينفق من اعز ماله وأحبه على نفسه مصداقا لقوله عز وجل : (:( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )
ايها الاخوة جميعا :
يقول الله عز وجل : (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير) عن ابن عمر قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال : يا نبي الله ! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ؟ فقال : قد أنفق علي ماله قبل الفتح قال : فإن الله يقول لك : اقرأ على أبي بكر السلام وقل له : أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ، إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول : أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال أبو بكر : أأسخط على ربي ؟ إني عن ربي لراض ! إني عن ربي لراض ! إني عن ربي لراض ! قال : فإن الله يقول لك : قد رضيت عنك كما أنت عني راض ، فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام : والذي بعثك يا محمد بالحق ، لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا بالعباءة ، ولهذا قدمته الصحابة على أنفسهم ، وأقروا له بالتقدم والسبق . وقال علي بن أبي طالب [ ص: 218 ] رضي الله عنه : سبق النبي صلى الله عليه وسلم ، وصلى أبو بكر وثلث عمر ، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة ، وطرح الشهادة . فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم ، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ .) انتهى.  واننا ايها الرجال بين يدى هذه الفرصة  مرة ثانية تتكرر علينا في هذا الزمان فاغتنموا وبادروا وتنافسوا في بذل انفسكم واموالكم واوقاتكم قبل اقامة الدولة  حتى تفوزوا بقوله عز وجل : (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ( 10 ) الحديد.
ايها الاخوة :
اننا في زمان الحاجة فيه للمال لتسيير امور الدعوة أشد مما كان عليه من سبقنا في تحمل مسؤولية الاسلام العظيم واننا وأيم الله على مهمة عظيمة ، نحمل أمانة الدين بغية إعزازه في دولة الخلافة الراشدة الثانية على مهاج النبوة والتي اظل زمانها وحان حينها وتكاد تبدأ أيامها قريبا ان شاء الله ... ومن غيرنا قد انفرد بما نسابق فيه  من خير عظيم ذي اثر عميم ..؟؟  اننا نعيش في ظل توحش الرسمالية وغلاء المعيشة وضيق الحال ونخص بالذكر دعوتنا التي اخذت عهدا على نفسها ان لا تقبل مالا من احد حتى تحافظ على صفائها ونقائها  ونحن اهل هذه الدعوة ورجالها فمن لها بعد الله الا ما نبذله من اموالنا ؟؟؟ !! فان قصرت باعنا قصرت بها اعمالنا وان بذلنا لها وتنافسنا في ذلك قويت شوكتا وتجاوزت دعوتنا صعابها وازماتها حتى تصل مبتغاها بعون الله واننا اليوم بأشد الحاجة لان نضاعف بذلنا ما استطعنا فمن زاد الربع زاد خيرا ومن زاد الثلث كان أفضل ومن ضاعف كان أعظم والله يضاعف لمن يشاء فلنري الله من بذلنا وعطائنا فالصفقة مع الله لعله يطلع علينا في احسن حال يرضيه عنا وفي أسرع اقبال عليه فيقبل علينا وينزل علينا نصرا طال انتظارنا له فنعقد البيعة ونرفع اللواء والراية .
(( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) الروم.

فاللهم خذ منا من أنفسنا وأموالنا ما يرضيك عنا وتقبل صفقتنا وقربنا منك وامنحنا  نصرك وعزتك في الحياة الدنيا قريبا ويوم يقوم الاشهاد . اللهم انصر دعوتنا واقم الخلافة بأيدينا وأقر اعيننا ببيعة أميرنا عن قريب انك أكرم مسؤول اللهم آمين آمين والحمد لله رب العالمين .

24 جمادى الأول -  1436 هـ الموافق 15/3/2015م

الأحد، 10 أغسطس 2014

بسم الله الرحمن الرحيم ( مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) الذاريات

      لقد أنعم الله علينا بنعم ظاهرة وباطنة، منها ما علمناها ومنها ما لم نعلم ، فالحمد لله العلي المتفضل  الكبير المتعال ، وإن من أعظم نعمه علينا أن بين لنا ما لنا وما علينا ، وتفضل من فوق ذلك علينا بالرجاء وبالتوبة والمغفرة والرحمة ، وأنذرنا عذابه وغضبه وزفرات نيرانه كي نكون على اتزان لا نحيد فكان فضل الله علينا عظيما وعطاؤه جزيلا .
      وكان مما علمنا هو أن عيش الإنسان ضمن دائرتين الأولى: تسيطر عليه ولا يد له فيها ، والثانية : يتصرف فيها مختارا طائعا او عاصيا . فالأولى : لا يحاسب عليها ولا قبل له في ردها فقد أتي لهذه الحياة وسيذهب عنها وسيعيده الله تارة أخرى، ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ) (55) (طه) ، وقد جعل للإنسان عينين ولسانا وشفتين وجعل له رزقه ، واضافة الى ذلك جملة من الأفعال لا طاقة للإنسان فيها تقع عليه فوق إرادته ولا راد لها فهي قضاء من الله فيخضع لها الانسان ويصبر على أذاها وفواجعها ، ويحتسب عند الله  الأجر على ذلك ، وأما الدائرة الاخرى فقد قضى الله ان تكون تحت طاقة الانسان وبقدرته وهي محل الابتلاء والتمحيص والتكليف وانما عليها الحساب والجزاء. ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الانسان .
       وان مما قضاه الله ولا يد للإنسان فيه الزرق فهو من الله وحده يقول الله عز وجل : "  إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين  ( 58 ) الذاريات  ويقول :  ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) هود )    ولقد كانت نسبة الرزق لله وحده نسبة حقيقية ولا دخل لمخلوق فيها فلا كثرة السعي تزيده ولا قلة السعي تنقص منه فهو قضاء من الله وحده ، والشواهد على ذلك كثيره مبثوثة في كتاب الله عز وجل وفي وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعليها شواهد في الواقع تكاد لا تحصى ، واننا في هذا المقام ننظر في عبرة عظيمة لا بد لنا ان نعتبر بها وان نعيش ظلا لها وان نأخذ بها ونضعها حلقة لا نتركها ونجعلها في قلوبنا حتى لا ننساها وفي عقولنا نسير بهداها ، وهذه العبرة تتمثل في مقارنة عجيبة في سعي الانسان في هذه الحياة الدنيا فالكل يتجه مجبرا نحو الحاقة والحقيقة نحو الدار الاخرة بشكل جبري متسارع، فالكون الفسيح السابح في ملكوت الله يسير يسبح لله وحده لا ينشغل بغير هذا نحو الاخرة أي الى أجل معلوم عند الله وحده ، وكل دابة في السماء وفي الارض تسير مقهورة نحو الاخرة وقد تكفل الله في هذه الدنيا للكل برزقه ، وأمر الانسان بالسعي لطلبه ولكن الحكمة والدقة تكمن في أن التنافس والسعي والمسارعة والمسابقة انما يكون للآخرة ، فكلما زاد سعيك لها وأقبلت عليها ارتفعت منزلتك، وأما الدنيا وزخرفها فكلما زاد سعيك لها فإنه لن يزيدك من نعيمها ولا من زخرفها الا ما يزيدك وهمك وسواد في قلبك إن كان ذلك على حسب فرض ربك .  ففي الحديث الصحيح الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى ، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً ، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ ) رواه الترمذي ، فاعتماد القلب وتعلقه انما يكون على الله الرازق عند طلب الرزق ولا يجوز الاعتماد على كد اليد ولا كثرة السعي ولا طول الوقت في طلب الرزق على حساب الاخرة مما يورث المرء غضب الرب وبؤس العيش وخسران الدارين ,, أعاذنا الله من ذلك وروى الطبراني في الصغير ، عن أنس مرفوعا قال : " من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه تعالى ، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الله تعالى ، ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله تعالى ، ومن أعطي القرآن فدخل النار فأبعده الله تعالى " . وعن عمرو بن عوف - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فو الله لا الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم " متفق عليه ..
        وبالمقابل فإن سعي المرء في طلب الدار الاخرة ابتغاء رضوان الله وطمعا بجناته فإن ذلك هو الخير والفضل والرشاد وقد جعل الله في ذلك التنافس وأعد الدرجات والمراتب والمنازل وجعل ذلك عن ايمان مرتبط بالقلب ليأخذ من المرء كل تفكيره وكل سعيه و جهده واجتهاده .. " تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83. قال الإمامُ عليٌّ رضيَ الله عنه: اليومَ العملُ وغدًا الحسابُ " ويقول عز من قائل : ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) المطففين ، ويقول عز من قائل : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) النجم  وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة [ رضي الله عنها ] قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له " وفي الدعاء المأثور : " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا " . ويقول عز وجل (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ﴿١٨﴾ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴿١٩﴾ كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴿٢٠﴾ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴿٢١﴾ الاسراء قال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، حدثنا دويد ، عن أبي إسحاق ، عن زرعة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له " . وان تصور المرء المؤمن للحياة الدنيا انما يكون بحجمها الحقيقي فنعيمها زائل وكل من عليها فان ... وان السعي الحقيقي المثمر هو سعي الاخرة فهي الحياة الحقيقية وما فيها من نعيم فهو مقيم ، يقول عز وجل : (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) العنكبوت .
وعليه فإننا لا بد ان نعمل بمقتضى الحقيقة المبنية على الايمان وهي أن السعي لحطام الدنيا لن يزيد من حطامها بالكثرة ولن يقل بالقلة وعلى العكس تماما السعي للدار الاخرة فإن الله ينظر لها بمثاقيل الذر خيرا كانت او شرا وما على المرء المؤمن الا ان يكد ويتعب ويجتهد لما هو باق وأن يعطي الدنيا حقها فيما افترض الله ولا يزيد فهي دار فتنة وابتلاء . يقول الله عز  جل : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ) الزلزلة .
  وفوق هذا فإن المرء المسلم لا يأمن عواقب الامور ولا يعلم خواتيم أعماله فلا بد له والحالة هذه من أن يظل أوابا منيبا لربه طائعا مسرعا في طلب رضوانه يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه وان العبد المؤمن ليعيش بين جاذبتين الرجاء والخوف ففوق الفرائض واجتناب المحرمات يتقرب لله عز وجل بالنوافل واضافة لذلك فإنه لا بد له من ان يظل حاضرا ومستحضرا رجاء رحمة ربه ويخشى عذابه فبالرجاء يبقى معلقا بحبال ربه وبالخوف يجعل بينه وبين ما يغضب الله بعد المشرقين ، فيبقى ملتزما متزنا على تقوى من الله ، محققا لولاية ربه بإذنه تعالى ، وإن المحبين الصادقين هم في هذا المقام في مقام المحبة هم في مقام موزون بين الرجاء والخوف.
        فرجاؤهم معلق برحمة الله تعالى والذين لا يخافون إلا الله هم أشد الناس خوفًا من الله تعالى، وقد جمع الله تعالى أركان هذا المقام الإيماني الرفيع في وصفه للملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والصالحين العابدين فقال جل جلاله :{أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً }الإسراء57  ولكي يبقى المسلم مطمئناً ومتيقظاً ، يحدوه الأمل والرجاء في رحمة الله ومغفرته وهو كذلك يخشى ويخاف من الله سبحانه قال الامام ابن القيم: رحمه الله ( من استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزاءها ، وذكر المعصية والتوعد عليها وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف مالا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو ).
   فيا حملة الدعوة ايها الراغبون في الله و يا من عقدتكم الصفقة معه طمعا في جنته وخوفا من زفرات نيرانه وفوق هذا وكله ابتغاء رضوانه : اعلموا أن الخوف والرجاء كجناحي الطائر كما ذكر أهل العلم متعاضدان مقترنان ، المسلم يرجوا ما عند الله ولكن يخافه ويخشاه . فلا تميلوا كل الميل لجهة على حساب اخرى ... فالرجاء وحده قد يورث الامل و يضعف الهمم العالية الوثابة بالحق فتسترخي وقد تتقاعص واما الخوف وحده فقد يقود صاحبه الى المغالاة وقد يضع الامور في غير مواضعها فالخير فيمهما معا والزاد وخير الزاد وهو التقوى لا يقوم ولا يكون الا بهما معا .
قال تعالى { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }الأنبياء90 ومن الأسباب الباعثة على الخوف من الله والرجاء له سبحانه التفكر في الخاتمة والحساب فيما أعد الله سبحانه لأهل طاعته من النعيم المقيم الأبدي وما أعد الله لأهل معصيته إن هو عذبهم من العذاب الذي لا يطيقه بشر.
فاللهم اشهد بأننا نرجو رحمتك ونخشى عذابك قولا وعملا بقلوبنا وعقولنا وجوارحنا فاصنعنا لنفسك واستعملنا ولا تستبدلنا فإنا ضعفاء الا بك فارحم ضعفنا ودبر لنا فإنا لا نحسن التدبير وانا نستودعك قلوبنا وعقولنا وأعمالنا وخواتيمها فاجعلنا على ما يرضيك وعلى حملة دعوة الاسلام والتزام امرك قائمين وقاعدين وقانتين وأحينا سعدا واقبضنا اليك شهداء لا فاتنين ولا مفتونين يا ودود يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد بك نستغيث ولك نلوذ ونؤوب اليك الخير كله . والحمد لله رب العالمين.
16/3/2014م


السبت، 9 أغسطس 2014

الخبر واقعه و مسؤوليته وآثاره


الخبر واقعه و مسؤوليته وآثاره

        يعتبر الخبر على جانب عظيم لما يترتب عليه من آثار على مستوى الفرد أو الأمة أو حتى العالم ، فكان جديرا أن يستأثر بالعناية والبحث ابتداءا من توصيفه واقعا و تأصيله شرعا وصولا إلى آثاره على كافة الصعد وحتى النتائج المبنية على التبويب الصحيح والسليم له في البناء الشرعي والسياسي .
       والخبر كما ورد في (القاموس المحيط)الخَبَرُ،  محركةً: النَّبَأ. وفي لسان العرب : والخَبَرُ ما أَتاك من نَبإِ عمن تَسْتَخْبِرُ. ابن سيده: الخَبَرُ النَّبَأُ، والجمع أَخْبَارٌ، وأَخابِير جمع الجمع. فأَما قوله تعالى: يومئذٍ تُحَدِّثُ أَخَبْارَها؛ فمعناه يوم تزلزل تُخْبِرُ بما عُمِلَ عليها.
      و الخبر إما أن يكون صدقا أو يكون كذبا وإما أن يكون مقطوعا به أو ظنيا أو مشكوكا به ، ولقد جعل الإسلام ضوابط لأخذ الخبر أو رده وقد حذق المسلمون أخذ الخبر ورده ، كيف لا وقد كان يأتيهم صلى الله عليه وسلم بأخبار السماء وكانوا يضبطونها ويحفظونها وينقلونها ويحملونها رسالة وثقافة  ،وقد اعتمدت قوانين في الضبط والرواية وأحوال الرجال وقد تميز المسلمون بذلك بإعتبارهم هداة وأصحاب رسالة تحوي أخبارا وتشريعات وأحكام نقلت نقلا بالرواية ضمن ضوابط مهمة تفصل الغث عن السمين وتظهر الحق من الباطل ،هذا كله على صعيد أخبار الرسالة . وأما فيما يتناقله الناس من أخبارهم فقد جعل الإسلام ضبط الخير ونقله مسؤولية ضبطت بأحكام شرعية فقد أوجب الصدق وحرم الكذب وأمر بتحري الصدق ممن يأخذ الخبر وجعل المسلم شخصية نبيهة تنظر وتفكر وتقدر لا مجرد وعاء أصم أعمى يستعمله غيره للنقل فقط ، يقول عز وجل :  (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا))[الإسراء36 .

وينقسم في التعامل مع الخبر الى : أولا: من حيث أخذه أو رده ومعايير ذلك:

       لقد كان إثبات العقيدة بالعقل المبني على الحس وكان أصل الإسلام قطعي و في مفاصل أساسية ثلاثة : الإيمان بالله عز وجل وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم وقد ورد في القرآن بشكل قطعي أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وحي ( * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم  فكانت أخبار الوحي منضبطة بما تنزل على محمد فهو الحق من ربنا وقد حمل صحابة رسول الله مسؤولية نقل الإسلام لمن أتى بعدهم وقد حفظ الله هذه المجموعة من الزلل إلى أن نقلت الآمة القرآن تترى بالتواتر ونقل معه من السنة قسم متواتر وقسم دون ذلك  لذلك كان المسلمون أول من قد تحملوا مسئولية الخبر من حيث ضبطه أو نقله ولقد جعل الإسلام الكذب جرما عظيما وفعلا شنيعا وحال دون اتصاف المسلم به حيث أجاب صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن المسلم يكذب قال :  "لا..."  وقد رتب الإسلام على الشائعات أشد العقوبات فقد اعتبر للقذف حدا مضاعفا من حيث العقوبة وعدم قبول شهادة القاذف (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور، وقد جعل باب في علم الحديث لبحث أحوال الرجال وضبطهم وتزكيتهم وكفاءتهم ، كل ذلك من عناية الإسلام في أن تكون مرتبة الراوي والناقل مرتبة مرموقة معتبرة من اعتبار وعلو الإسلام ورفعته وطهارته لذلك لا يقبل المسلم الخبر الغير منضبط ولا يأخذ من أهل الريبة ولا من الفاسقين إلا أن يتبين وقد اشترط الإسلام في الشاهد أن يكون خاليا من أسباب الفسق وخوارم المروءة وفي ضوابط الأخبار القطعية كالمتواتر فقد اشترط أن يكونوا خمسة من الثقات العدول و يكون الخامس تزكية .. فأي عناية هذه وأي مسئولية ما عرفت البشرية لها مثيلا..؟! كل ذلك لعظم الخبر والنقل في نظر الإسلام كيف لا وهو يتعلق بمصائر العباد وأثر ذلك في الدنيا والآخرة ؟؟ سواء فيما نحكم عليه في الأعراض وفي الأنفس والدماء أو فيما ندين الله به يوم القيامة فالصدق نجاة والكذب مهلكة وضياع وأي ضياع !!! لذلك فإن أخذ الخبر أو رده لا بد أن يكون ضمن ضوابط مهمة نذكرها:

1-   أن يكون له أصل ومصدر ينتهي للحس ولا يكون مجرد وهم فالإسلام إنما جاء ليحكم على الوقائع فيعالجها ولا يبحث في الأوهام من حيث الأصل فهو يبحث في ما يقع تحت إطار العقل ولا يبحث فيما وراءه،
2-    أن يؤخذ عن عدل ضابط لما يسمع وما ينقل فالفاسق لا يؤخذ منه جاء في  الجامع لأحكام القرآن » سورة الحجرات » قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا    قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ قيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط . وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم - في رواية : لإحنة كانت بينه وبينهم - ، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام . فبعث نبي الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل ، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا ، فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه ، فعاد إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فنزلت هذه الآية ، فكان يقول نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : ( التأني من الله والعجلة من الشيطان (

3-    أن لا يخالف المقطوع به واقعا أو شرعا لذلك كانت الحاجة ضرورية لتأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نقله الثقات وخالف الواقع :  الحديث  الذي أخرجه مسلم بلفظ( سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة ) قال القرطبي : لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلا برأسهما . وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات. قال : وقيل : وإنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيها لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة ، والأول أولى ، والله أعلم .  . 4- أن يكون ذي بال وان لا يكون في فسافس الأمور وتوافهها وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كفى بالمرء إثما : أن يحدث بكل ما سمع " وقال بعض السلف : ( لا يكون إماما من حدث بكل ما سمع) .فالامة الجادة صاحبة رسالة فلا تهتم الا في اخبار رفعتها وانتصارها ولا تلتفت الا لكل خبر يصب في ذلك سواء كان من قبيل الرعاية الداخلية او كشف الخطط والمكائد او يصب في رسم السياسات على نحو يحقق الانتصار كثمار للأعمال السياسية للدولة والاحزاب الساسية وحتى فيما يخص النواحي الفردية فالفرد انما هو جزء من امة عريقة اصيلة لا يخرج عن طباعها وطابعها واعرافها وحاجاتها وعلى جميع المستويات وفي جميع الشؤون ومن ذلك التعامل مع الاخبار .


5-   ان يوضح ناقل الخبر فلا يزيد عليه رأيه أو فهمه فرب مبلغ أوعى من سامع وإضافة الفهم والرأي تؤثر في فهم من بلغه الخبر على اخلاف كبير بين ان يكون الخبر صافيا أو مزيدا برأي ناقله على انه جزء من الخبر وهذا كله عدا عن انه يكون تدليسا نهينا عنه .

 ثانيا : من حيث العمل به والبناء عليه أو تركه :

       إن الخبر خبران و النقل نقلان فإما ان يكون من قبيل التشريع والعقيدة وإما أن يكون عن أحوال العباد وقد ضبطت الاخبار المتعلقةابالعقيدة والتشريع منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونزول التشريع إلى أن دونت الصحاح وما عرف به علم الحديث والذي يعنينا الآن في مقامنا هو ما يضبط الأخبار المتعلقة بأحوال الناس على كافة الصعد مما يتعلق بالإعلام المحلي والعالمي ولما ينبني على ذلك من حساسية وخطورة في اتخاذ المواقف وتحديد السياسات وتقدير الأمور والقيام بأعمال قد تنطوي على مخاطر جسام ، وقد أناط الشارع مسئولية الاعلام بولي أمر المسلمين  لما لها من اهمية قصوى على أمن البلاد والرعية فيعاقب على الاشاعات ويمنع تداول الاخبار المتعلقة بتحركات الجيوش وما يتعلق بأهداف الاعمال السياسية وبالمقابل يحرص على نشر اخبار معينة فيها النفع في انجاح بعض الخطط او ما يكون من قبيل تخذيل العدو . والدليل على ذلك قوله تعالى : ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا )) النساء قوله : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به يقال : أذاع الشيء وأذاع به : إذا أفشاه وأظهره ، وهؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم ، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم ؛ أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك . قوله : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم [  وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم أي : يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم .

والمعنى : أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يذيعها أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك ؛ لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى وما ينبغي أن يكتم .  تفسير فتح القدير » تفسير سورة النساء وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية ، قال : هذا في الإخبار إذا غزت سرية من المسلمين أخبر الناس عنها ، فقالوا : أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا ، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا ، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو يخبرهم به .وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع "
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال أي : الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ، ولا تدبر ، ولا تبين ، وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بئس مطية الرجل زعموا عليه " . في الصحيح : " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " . ويذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه ، حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ، فجاءه من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك ، فلم يصبر حتى استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفهمه : أطلقت نساءك ؟ قال : " لا " . فقلت : الله أكبر . وعند مسلم : فقلت : أطلقتهن ؟ فقال : " لا " فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه . ونزلت هذه الآية: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر .

       ولقد كان لحادثة الافك درسا كبيرا تعلم منه المسلمون الشيء الكثير في عدم نقل أي خبر يسمعونه  لما لذلك من خطورة قد آذت بيت النبوة أذا بليغا وقد تؤذي امة بأكملها فالكذب على جيش المسلمين ونقل اخبار المعارك والحديث عن الهزيمة والنصر وتحديد وجهات الجيوش واظهار اهداف الاعمال السياسية واشاعتها والخوض في اخبار اعراض المسلمين والذميين والنقل دون الضبط والتثبت لاي خبر كان من شأنه الوقيعة او اذكاء الفتنة  ، لذلك كله كانت دائرة الاعلام مرتبطة مباشرة ربطا مركزيا بمركز الخليفة ورغم ان دولة الخلافة تقبل العلم والخبر فقط لانشاء أي وسيلة اعلام الا انها تحاسب وتتعسس وتعاقب على التجاوزات بأشد العقوبات  . وكذلك فإن مسئولية الخبر أي خبر مسؤلية الفرد كما هي مسؤلية الدولة بدافع تقوى الله .
         ان عملية تداول الخبر في غاية الخطورة فإن من الاخبار ما يحتاج الى اثبات اصلا ويتم تداوله كحصول الانساب والمصاهرات وانشاء الشركات وأي حدث عادي لا يترتب على تداوله أي اثر سلبي على شرط صدقه وان من الاخبار ما يمنع تداوله مما يتعلق بالاعراض وان كان صادقا لما في ذلك من خطورة الزيادة والمغالاة واشاعة الفاحشة وان مثل هذه الاخبار تحرص على اشاعتها دول الضرار واجهزتها لاشغال الناس واذكاء العداوات بينهم واشاعة الرذية . وان من الاخبار ما يحتاج رغم صدقة لاخراج من أولي الامر والعلم والرجاحة في الرأي تماما كتعامل الصديق رضي الله عنه مع خبر وفاة الرسول وتعامل الصحابة مع اشاعة مقتل الرسول في احد . وكذلك كل خبر يشكل عدم اخراجه الى صدمة قد تحطم الامة او الجيش . وبالمقابل فإن الشرع اباح الكذب  في الحرب وفي الاصلاح وهذا يتضمن نسج اخبار لنقلها مما يدفع مضرة او نحو ذلك وقد اباح التورية  من اجل انجاح الاعمال السياسية ونحوها ايضا مما يكون في المعاريض المغنية عن الكذب فيما لا يجوز فيه الكذب .

 إن نشر الخبر للغير أو كتمه وما ينبغي ان يكون عليه الاعلام  هو مسؤولية الدولة عن الاعلام وتعني  بالضرورة أن هذا الملف على جانب عظيم وعلى خطر جسيم ومسؤولية يتولاها  أولي الامر واصحاب الرأي والعلم ممن يحذقون هذا ، عن معرفة ودراية تتوجها الفراسة .لذلك فإن الدولة تضع يدها على الاعلام وتسن له القوانين التي تضبطه وفق الحكم الشرعي من مثل حظر تناقل الاخبار المتعلقة بتحركات الجيوش واخبار النصر او اخبار تتعلق بأسرار التكنلوجيا  وما يتعلق بالصدارة مما قد تتوصل له دولة الخلافة ان شاء الله ، وكذلك أي اخبار من شأنها اذكاء الفتن او اثارة النعرات الطائفية أو المذهبية والعنصرية والروابط القومية والوطنية واذكاء النزعات الانفصالية أو ما يشيع الفاحشة بين المسلمين أو الرعية . وهذا كله لا يعفي الفرد من مسؤوليته عن نقل الاخبار والرجاحة في التعاطي معها بكل مسؤولية . وعليه فإن الخبر سواء كان مما ينقل كرسالة أو مما ينقل عن أحوال الناس ومعايشهم وأحداث داخلية وخارجية يستأهل كل عناية ودراية ومسؤولية منها ما تحمله الدولة وتطبقه ومن ما يحمله الفرد المسلم بدافع تقوى الله ومن ذلك الحرص والمحافظة على الاعراض والانفس والثمرات ووحدة الدولة والامة وللحيلولة دون تمزقها وتشرذمها بل وأكثر من ذلك ألا وهو أن تتبوأ مركز الصدارة بين الامم وفي العالم أجمع لتقوده نحو الخير العميم .



9/ جمادى الاولى 1435ه الموافق 10/3/2014م

سعيد الاسعد -  فلسطين .
">